ابن كثير
233
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا « 1 » قلت : فالقوم ذمهم اللّه بنبذهم العهود التي تقدم اللّه إليهم في التمسك بها والقيام بحقها ، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره ، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] ، وقال هاهنا وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ الآية ، أي طرح طائفة منهم كتاب اللّه الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وراء ظهورهم ، أي تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها ، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه ، ولهذا أرادوا كيدا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسحروه في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر تحت راعوفة ببئر أروان « 2 » ، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له : لبيد بن الأعصم لعنه اللّه وقبحه ، فأطلع اللّه على ذلك رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وشفاه منه وأنقذه ، كما ثبت ذلك مبسوطا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، كما سيأتي بيانه . قال السدي وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ قال : لما جاءهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عارضوه بالتوراة ، فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف ، وسحر هاروت وماروت ، فلم يوافق القرآن فذلك قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وقال قتادة في قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ قال : إن القوم كانوا يعلمون ، ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به . وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ الآية ، وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئات من الجن والإنس واتبعوا الشهوات ، فلما أرجع اللّه إلى سليمان ملكه ، وقام الناس على الدين كما كان ، وأن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه ، وتوفي سليمان عليه السلام حدثان ذلك ، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا : هذا كتاب من اللّه نزل على سليمان فأخفاه عنا ، فأخذوا به فجعلوه دينا ، فأنزل اللّه تعالى وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ الآية واتبعوا الشهوات التي كانت تتلوا الشياطين ، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر اللّه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان آصف كاتب سليمان ، وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا ، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل به . قال : فأكفره جهال
--> ( 1 ) البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 106 ؛ وتاج العروس ( عنن ) ؛ والطبري 1 / 488 . ( 2 ) أروان : اسم بئر بالمدينة . وقد جاء فيه « ذروان » و « ذو أروان » . والمشاقة : الشعر الذي يسقط في الرأس واللحية عند التسريح بالمشط . وجفّ الطلع : الغشاء الذي يكون فوقه . والراعوثة : صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت ، تكون ناتئة ؛ فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقّي عليها .